محمد بن جرير الطبري
72
جامع البيان في تفسير القرآن ( ط الأولى 1323 ه - المطبعة الكبرى الأميريه ، مصر )
الْحَياةِ الدُّنْيا كَماءٍ أَنْزَلْناهُ مِنَ السَّماءِ فَاخْتَلَطَ بِهِ نَباتُ الْأَرْضِ قال : اختلط فنبت بالماء كل لون مِمَّا يَأْكُلُ النَّاسُ كالحنطة والشعير وسائر حبوب الأَرض والبقول والثمار ، وما يأكله الأَنعام والبهائم من الحشيش والمراعي . وقوله : حَتَّى إِذا أَخَذَتِ الْأَرْضُ زُخْرُفَها يعني : ظهر حسنها وبهاؤها . وَازَّيَّنَتْ يقول : وتزينت . وَظَنَّ أَهْلُها يعني : أهل الأَرض . أَنَّهُمْ قادِرُونَ عَلَيْها يعني : على ما أنبتت . وخرج الخبر عن الأَرض ، والمعنى للنبات ، إذا كان مفهوما بالخطاب ما عنى به . وقوله : أَتاها أَمْرُنا لَيْلًا أَوْ نَهاراً يقول : جاء الأَرض أمرنا يعني قضاؤنا بهلاك ما عليها من النبات إما ليلا وإما نهارا . فَجَعَلْناها يقول : فجعلنا ما عليها ، حَصِيداً يعني مقطوعة مقلوعة من أصولها ، وإنما هي محصودة صرفت إلى حصيد ، كَأَنْ لَمْ تَغْنَ بِالْأَمْسِ يقول : كأن لم تكن تلك الزروع والنبات على ظهر نابته قائمة على الأَرض قبل ذلك بالأَمس ، وأصله : من غني فلان بمكان كذا ، يغنى به : إذا أقام به ، كما قال النابغة الذبياني : غنيت بذلك إذ هم لي جيرة * منها بعطف رسالة وتودد يقول فكذلك يأتي الفناء على ما تتباهون به من دنياكم وزخارفها ، فيفنيها ويهلكها كما أهلك أمرنا وقضاؤنا نبات هذه الأَرض بعد حسنها وبهجتها حتى صارت كَأَنْ لَمْ تَغْنَ بِالْأَمْسِ كأن لم تكن قبل ذلك نباتا على ظهرها . يقول الله جل ثناؤها : كَذلِكَ نُفَصِّلُ الْآياتِ لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ يقول : كما بينا لكم أيها الناس مثل الدنيا وعرفناكم حكمها وأمرها ، كذلك نبين حججنا وأدلتنا لمن تفكر واعتبر ونظر . وخص به أهل الفكر ، لأَنهم أهل التمييز بين الأَمور والفحص عن حقائق ما يعرض من الشبه في الصدور . وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل . ذكر من قال ذلك : حدثنا بشر ، قال : ثنا يزيد ، قال : ثنا سعيد ، عن قتادة ، قوله : حَتَّى إِذا أَخَذَتِ الْأَرْضُ زُخْرُفَها الآية : أي والله لئن تشبث بالدنيا وحدب عليها لتوشكن الدنيا أن تلفظه وتقضي منه . حدثنا محمد بن عبد الأَعلى ، قال : ثنا محمد بن ثور ، عن معمر ، عن قتادة : وَازَّيَّنَتْ قال : أنبتت وحسنت . حدثني الحرث ، قال : ثنا عبد العزيز ، قال : ثنا ابن عيينة ، عن عمرو بن دينار ، عن عبد الرحمن بن أبي بكر بن عبد الرحمن بن الحرث بن هشام ، قال : سمعت مروان يقرأ على المنبر هذه الآية : حَتَّى إِذا أَخَذَتِ الْأَرْضُ زُخْرُفَها وَازَّيَّنَتْ وَظَنَّ أَهْلُها أَنَّهُمْ قادِرُونَ عَلَيْها وما كان الله ليهلكها إلا بذنوب أهلها . قال : قد قرأتها ، وليست في المصحف ، فقال عباس بن عبد الله بن العباس : هكذا يقرؤها ابن عباس . فأرسلوا إلى ابن عباس فقال : هكذا أقرأني أبي بن كعب . حدثنا محمد بن عبد الأَعلى ، قال : ثنا محمد بن ثور ، عن معمر ، عن قتادة : كَأَنْ لَمْ تَغْنَ بِالْأَمْسِ يقول : كأن لم يعش ، كأن لم تنعم . حدثني المثني ، قال : ثنا إسحاق ، قال : أبو أسامة ، عن إسماعيل ، قال : سمعت أبا سلمة بن عبد الرحمن يقول : في قراءة أبي : كَأَنْ لَمْ تَغْنَ بِالْأَمْسِ وما أهلكناها إلا بذنوب أهلها . كَذلِكَ نُفَصِّلُ الْآياتِ لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ واختلفت القراء في قراءة قوله : وَازَّيَّنَتْ فقرأ ذلك عامة قراء الحجاز والعراق : وَازَّيَّنَتْ بمعنى : وتزينت ، ولكنهم أدغموا التاء في الزاي لتقارب مخرجيهما ، وأدخلوا ألفا ليوصل إلى قراءته ، إذا كانت التاء قد سكنت والساكن لايبتدأ به . وحكي عن أبي العالية وأبي رجاء والأَعرج وجماعة أخر غيرهم أنهم قرءوا ذلك : " وأزينت " على مثال أفعلت . والصواب من القراءة في ذلك : وَازَّيَّنَتْ لإِجماع الحجة من القراء عليها . القول في تأويل قوله تعالى : وَاللَّهُ يَدْعُوا